حديث الماء

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة
ارسال بياناتك
اضف تعليق

الشعوب التى تختار حكامها وتحاسبهم بالورقة والقلم والمسطرة حساب الملكين، تحب أوطانها بطريقة تختلف تماما عن الشعوب التى تصل إلى مرحلة الرعب من المؤامرات الكونية التى تجعلها تتغاضى عن أخطاء حكامها الفادحة، وتتفانى فى تبريرها، وتتهم بالخيانة كل الأصوات التى تشير إلى مواطن الخلل التى ينبغى إصلاحها فى أبنيتها السياسية والاقتصادية.

الخائفون يحبون أوطانهم أيضا بلا شك، ولكنهم يشبهون السيدة أمينة بطلة ثلاثية نجيب محفوظ التى يقهرها زوجها سى السيد عبد الجواد، ويسلب حريتها بزعم أنه يحميها من العالم المرعب الذى يتربص بها خارج أسوار البيت. السيدة أمينة تبرر لسى السيد جبروته، وتنسحق تحت قدميه حبا وتفانيا وإخلاصا، بينما يتذلل هو إلى العاهرات طمعا فى رضائهن.

الثورات العربية التى يحلو للبعض وصفها بالمؤامرات علمت الكثيرين أن دور الحاكم يختلف عن دور الأب، وأنه يقوم بوظيفة لها معايير وشروط تستوجب المحاسبة، ولكن يبدو أن تلك الثورات للأسف لم تعلم الحكام بعد التوقف عن الاستمرار فى لعبة أن المواطنين أبناء لهم.

انتظار الأمل الكاذب المراوغ الذى لا يجىء صار هو الآخر لعبة مستهلكة فقدت قدرتها على إلهاء الطفل الجائع الذى لن يوقف بكاءه إلا أن يرضع حليبا مشبعا كغيره من الأطفال.

التهديد بالفوضى قد لا يخيف من يتحول واقعهم يوما بعد آخر إلى مهزلة، وإلى محاولة مستميتة للسير على السلك المشدود خلال بحثهم عن لقمة العيش، وخلال تحايلهم على ظروفهم البشعة التى حولت حياتهم إلى ثوب مهترئ لم يعد يحتمل الترقيع، ولا يجدى معه حديث الحكام عن ثلاجاتهم التى ظلت لسنوات لا تحتوى إلا على الماء.

شاهد أيضا

لم يعد مجديًا تكرار الكلمات عن الانحياز إلى الكادحين، وعن ماليزيا والهند وتنجانيقا، وعن شروط الاستثمار التى تحقق التنمية بعيدا عن اللصوص والسماسرة، وعن صندوق النقد الدولى الذى لم تفلح الروشتة التى يقدمها فى منع الخراب عن دولة واحدة فلا يوجد من يريد أن يفهم.

الطبيب الذى يعلق فى مدخل عيادته شهادة فاخرة من جامعة لم يسمع بها أحد، يأخذ منك الفيزيتا مقدما ويصر على علاجك بجرعات من الماء، ويصرخ فى أهلك ويخبرهم متأففا بأن اللوم يقع كاملا على مريضهم الذى أوشك على الوفاة، والذى حصل كثيرون غيره على شفاء تدريجى تام بجرعات من دواء حقيقى تم منحه لهم فى مواقيت محددة.

كيف لنظام أن يبرر فشله بأن عدوه الفاشل، الذى يعلم الجميع مدى فشله هو الآخر، يقص غزله وينفث السم فى طحينه، ويرفع سعر الدولار، ويسد بلاعات صرف الأمطار، ويتسبب فى كل أزمة يعجز هو عن حلها؟

أسوأ من كل ما سبق أن ينقسم القادرون البعيدون عن المطحنة التى تتصاعد منها قرقعة عظام الكادحين إلى طوائف تتبادل فلسفاتها التافهة فى منتدياتها المغلقة، فيزعم بعضهم أن الغلابة كسالى فاسدون لا يعملون ويستحقون ما يحدث لهم، ويؤكد لرفاقه المترفين أن هذا الشعب نمرود ولا يجدى معه سوى الكرباج، بينما ينصح بعضهم الآخر حاكم البلاد بمنتهى الجهل والخفة بأن يقسو على شعبه المنعم الذى أتلفه التدليل! 
ساعتها عليك أن تدرك أن العلاج بالماء قد ينجح، مع الأسف، وأنت تستمع إلى هدير الطوفان القادم الذى كان من الممكن أن يتجنبه الجميع!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق