حتى لو استقلت جنيف وبرشلونة

جريدة الرياض 0 تعليق 19 ارسل لصديق نسخة للطباعة

سويسرا لا تملك جيشا رسمياً ولم تنحز يوما إلى أي صراع سياسي.. تتكون من أعراق مختلفة ويتحدث سكانها أربع لغات مختلفة (ألمانية وفرنسية وإيطالية ورومانشية) ومع ذلك مازالت تعيش منذ عام 1291 بوئام وانسجام يفتقده أصحاب العرق والديانة الواحدة في الشرق الأوسط!!

وبطبيعة الحال؛ ما أن تذكر سويسرا حتى يتداعى للذهن اسم "جنيف" مدينة المؤتمرات العالمية.. وتكاد هذه المدينة تكون الوحيدة التي تملك هذه الأيام تيارات تطالب بالانفصال عن الاتحاد السويسري (المكون من عدة كانتونات تتمتع بحكم ذاتي).

وكانت حركة جنيف الحرة قد سبقت الجميع بالمطالبة باستقلال جنيف منذ عام 1981 وإنشاء دولة صغيرة على غرار الدول المجهرية في أوروبا (كموناكو ولينخشتاين والفاتيكان ولوكسمبورج).. ويدعي دعاة الاستقلال أن مدينتهم التي تأوي 370 ألف إنسان على مساحة 282 كلم2 تملك كل مواصفات الدولة المستقلة..

وأكبر دافع في نظري لمطالبات الاستقلال هو شعور أبناء المنطقة بانتمائهم إلى ثقافة ألمانية تختلف عنهم.. فسكان جنيف يتحدثون الفرنسية وينتمون للثقافة الفرانكفونية وحدودهم مع فرنسا تزيد على 130 كلم.. في حين لا تزيد مع سويسرا ذاتها على خمسة كيلومترات فقط. ومقابل هذا الالتصاق الجغرافي والثقافي يتذمر المجتمع الجنيفي من وجود هيمنة اقتصادية وسياسية وثقافية تمارسها عليهم سويسرا الألمانية (حيث يشكل العرق الجرماني واللغة الألمانية النسبة الأكبر).. فهم مثلاً مجبرون على تعليم أبنائهم اللغة الألمانية والتعامل مع الخارج من خلال هذه اللغة.. كما يشتكون من تركز المصارف الكبرى في زيورخ وعدم وجود ما يكفي من وزرائهم في حكومة بيرن منذ عام 1919..

كل هذا يجعل الكثيرين منهم يعتقدون أن انضمام جنيف للاتحاد السويسري عام 1815 (أي بعد تشكل الاتحاد السويسري بخمس مئة عام) كان قرارا خاطئا أجّجه في ذلك الوقت محاولة التخلص من فرنسا..

.. على أي حال؛ من يقرأ هذا الكلام -في عالمنا العربي- يظن أن سويسرا على وشك خوض حرب أهلية حالها حال أي دولة عربية تظهر داخلها دعوات انفصالية.. ولكن الحقيقة هي أن دعوات الانفصال طبيعية جدا في الدول الديموقراطية وتخضع دائما لتصويت الشعب المعني بالأمر.. دون أن تملك الحكومة الاتحادية حق منعها أو التدخل فيها.. هذا ما حدث في اسكتلندا حين صوت الاسكتلنديون بنسبة بسيطة على البقاء ضمن الاتحاد البريطاني، وما حدث في أسبانيا حين صوت أهالي برشلونة (ذات الثقافة الكاتالونية) بنسبة لم تتجاوز الواحد بالمئة ضد الاستقلال عن إسبانيا، وما حدث أيضا حين صوتت مقاطعة كويبيك الفرنسية (أكبر المقاطعات الكندية) ثلاث مرات خلال تاريخها للانفصال عن كندا، ولكنها تفشل في كل مرة في الحصول على الأغلبية..

باختصار شديد؛ حتى لو استقلت جنيف عن سويسرا، وبرشلونة عن إسبانيا، وكويبيك عن كندا، بل وكاليفورنيا عن أميركا؛ لن تراق الدماء، ولن تظهر داعش، ولن تغلق الحدود بين الطرفين، وسيعيش الجميع بانسجام وتعاون لا تحظى به غير مجتمعات تربت على احترام خيارات الآخرين والالتزام برأي الأغلبية..

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق