كفيف في مدارس الخرطوم... أي فرصة وأي تعليم؟

العربى الجديد 0 تعليق 63 ارسل لصديق نسخة للطباعة

احتفت الجالية السودانية في المملكة المتحدة بحصول المحامي السوداني الكفيف، وائل عمر عابدين، على رخصة ممارسة المحاماة في ويلز وإنجلترا، بعد أن اجتاز مؤخرا امتحان QUALIFIED LAWYERS TRANSFER SCHEME المؤهل لتلك الرخصة. فالبرغم من العلاقات التعليمية التاريخية بين السودان وبريطانيا التي كانت تحتله لخمسة عقود، يعد عابدين أول محام سوداني ينال هذه الرخصة، كما يعتبر أول (محام كفيف) في تاريخ هذا الامتحان المهم الذي تمكن من اجتيازه بنجاح.


قصة نجاح
درس عابدين مراحله التعليمية الأولى بتفوق في مدارس مدينة الخرطوم، في عام 1994، وأعلنت وزارة التعليم اسم وائل عابدين ضمن الطلاب المقبولين بكلية القانون في جامعة الخرطوم، أعرق الجامعات السودانية، إلا أن كلية القانون رفضت قبوله طالبا فيها، واقترحت عليه الانتقال إلى كلية الآداب، بحجة أن الدراسة في الكلية قاسية، ولا تتوفر في الكلية وسائل تعليمية مساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أن إدارة كلية القانون أمام إصرار الطالب الطموح الكفيف وأسرته لم تجد بدا من قبول عابدين.

يقول عابدين، في مقال نشره بصحيفة التيار السودانية، كان القبول "مشروطاً بأن أوقّع على تعهّد من شقين، الأول ألا أطالب الكلية بأي التزامات من أي نوع تجاهي، والثاني دفع أتعاب الشخص الذي ستنتدبه الكلية ليقوم بكتابة إجاباتي على أسئلة الامتحانات، وكانت أتعاب ذلك الشخص تعادل ضعف رسومي الدراسية السنوية".

بعد سنوات قلائل تخرّج وائل عابدين ونال بكالوريوس الشرف، ولم ينته طموحه عند ذلك الحد، بل حصل على ماجستير في القانون من ذات الكلية، ثم حصل على ماجستير في قانون الأعمال الدولي من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة، بفضل منحة تشيفيننج المقدمة من الحكومة البريطانية. وفي 2007 اختير بجانب عشرة محامين آخرين لتمثيل القارة الأفريقية في برنامج (محامون دوليون من أجل أفريقيا) في لندن.

قصة عابدين تمثل قصة شخص ناجح بكل ما توفر له من أسرة مثقفة وأصدقاء أوفياء وإرادة ماضية، ولكن كيف هم الطلاب المعاقون في المؤسسات التعليمية بالسودان؟

اقــرأ أيضاً


مدارس الخرطوم

يقول الخبير في قضايا الإعاقة، الرضي عبد الله، وهو كفيف يحمل الماجستير من جامعة ليدز، لـ "العربي الجديد" في السودان، "تاريخياً فإن المعاق- خاصة المكفوفين - يكون بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن يرسل إلى خلاوى تحفيظ القرآن، أو أن يبقى حبيس البيت أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة".
"
إن الدستور والقانون في السودان يقرّان بحق الجميع في الحصول على التعليم، إلا أن هذا الحق يمارس في السودان في سياق (نظام عزل تعليمي)

"


ويشير الناشط في منظمات المعاقين، ضياء الحق عبد السلام، في إفادته لـ "العربي الجديد": "إن أولى محاولات إلحاق المعاقين بالتعليم كانت بتأسيس معهد النور لتأهيل المكفوفين في 1968 بالخرطوم بحري. كان المعهد يتبع لوزارة الرعاية الاجتماعية. وفي عام 1994 أصدرت رئاسة الجمهورية بالسودان قرارا جمهوريا يقضي بأيلولة المعهد إلى وزارة التربية والتعليم، وظل المعهد منذ تأسيسه يستقبل المكفوفين من كل ولايات السودان.

وفي سبتمبر من عام 2013 صدر قرار من وزيرة التربية والتعليم بأيلولة المعهد لولاية الخرطوم، فأصبح لا يستقبل إلا القادمين من ولاية الخرطوم فقط، ودفع ذلك الولايات الأخرى إلى تأسيس مراكز شبيهة لمعهد النور في مدن عطبرة والقضارف وغيرها".

يتابع ضياء الحق، هو كفيف يحمل ماجستير في الاقتصاد، ويعمل في وزارة المالية السودانية، أن "أصحاب الإعاقات الأخرى لهم مدارس خاصة بهم، مثل مدارس الأمل لتعليم الصم. وأما أصحاب الإعاقات الحركية فهؤلاء في الغالب يلتحقون بالمدارس العادية، ولكن هناك مشكلة فيما يتعلق بتعليم الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية، فهناك مئات الخريجين من المكفوفين والصم، ولكن حتى يومنا هذا هناك خريجة واحدة من المعاقين ذهنيا".

في المقابل، يقول الخبير السوداني الرضي عبد الله "إن الدستور والقانون في السودان يقرّان بحق الجميع في الحصول على التعليم، إلا أن هذا الحق يمارس في السودان في سياق (نظام عزل تعليمي)، بحيث تخصص في مراحل التعليم قبل الجامعي مدارس للصم وأخرى للمكفوفين، ولكن الصحيح أن يتم دمجهم في المدارس العامة، على أن توفر لهم الوسائل التعليمية المساعدة المكافئة لاحتياجاتهم، بجانب تضمين كليات التربية التي تخرّج المعلمين مناهج تتصل بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة حتى لا تتعرض هذه الفئة لعزل اجتماعي بسبب الإعاقة، مما يؤدي إلى عدم تفهم المجتمع لقضايا الإعاقة في مجملها، والاعتراف بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم".

اقــرأ أيضاً

ويضيف "فيما يتعلق بالتعليم الجامعي، ليست هناك سياسة مقررة يمكن الاعتماد عليها فيما يتعلق بقبول الطالب في الكليات، ولكن الأمر يعتمد على عميد الكلية وتوجهاته".
"
الاستبعاد من بعض الكليات لا يكون مباشرا أحيانا، ولكن بحرمان أصحاب الاحتياجات الخاصة من الوسائل التعليمية المساعدة، فيضطر المعاقون إلى التحول إلى كليات أخرى لا تحتاج إلى تلك الوسائل

"


يذكر ضياء الحق عبد السلام أن معاقا يابانيا، اسمه كانتاروا، كان يسأل المعاقين السودانيين ساخرا "لماذا تدرسون فقط في كليات الآداب والقانون والاقتصاد، على أحسن الفروض، ولا تدرسون في كليات الطب والهندسة والحاسوب؟ هل أنتم مبعدون أم مبتعدون؟

تفسيرا لهذه الظاهرة يقول الرضي عبد الله "الاستبعاد من بعض الكليات لا يكون مباشرا أحيانا، ولكن بحرمان أصحاب الاحتياجات الخاصة من الوسائل التعليمية المساعدة، فيضطر المعاقون إلى التحول إلى كليات أخرى لا تحتاج إلى تلك الوسائل".

ويمضي الرضي إلى تعداد المؤثرات في حرمان المعاقين من الحصول على التعليم، فيقول "أسرة المعاق نفسها يمكن أن تمنعه من الالتحاق بالمدرسة بسبب الخوف من وصمة تلحق بالأسرة، فتفضل حبسه في المنزل، أو بسبب الخوف الزائد عليه. المؤثر الثاني هو المدارس التي قد تعتذر بعدم وجود أستاذ متخصص للتعامل مع هذه الشريحة. والمؤثر الثالث هو أقرانه من الأطفال، حيث يسخرون من إعاقته، مما يجعله يفضل الهروب من هذه السخرية بترك المدرسة كلياً".

العلاج
علاجا للإخلال بحقوق المعاق، يقترح الرضي أن يتطور فهم الإعاقة في السودان من كونها مشكلة فردية شخصية ذات طابع طبي إلى منظور اجتماعي يرى الإعاقة في عجز الشخص عن التفاعل مع البيئة حوله، ومن ثم يصبح تأهيل البيئة حوله وتطوير مقدرتها في وعي واضعي السياسات في السودان وهم يخططون لكل مشروع ابتداء من طريق إسفلت عام، مرورا بمدارس تلبي حاجة المعاق، وانتهاء ببيئات العمل التي تتوفر فيها كل ما يجعل المعاق شخصا منتجا وفاعلا اجتماعيا مثله مثل الآخرين.

اقــرأ أيضاً
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق