الثورة كانت تنمو يوما بعد يوم كجنين لا يعرف مستقبله - يوميات

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة
ارسال بياناتك
اضف تعليق

ليس بالضرورة التمسك بمصطلح "ثورة" أو "انتفاضة" أو حتى "حركة"، وإنما المهم أن نعى أن هناك وضعا جديدا قابلا للتفاوض. حتى لا تأخذنا الصور القديمة التى اختزلناها فى مخيلتنا لمصطلح "الثورة"، أو لأوضاع حرجة متغيرة تحتاج لإبداع فى التسمية. التسمية السريعة بالنسبة لى عبارة عن تحكم صور وأيديولوجيات قديمة على وضع جديد.
 
الحلم ليس صورة قديمة ضمن الصور السائلة، الحلم ليس مثاليا لأنه صورة فردية يتم إنتاجه على المسئولية الشخصية .
 
هل مقاومة مبارك للشعب تعبر عن جزء أصيل لفكرة الأب؟ أعنى: هل عدم سقوطه حتى الآن يشير إلى عمق هذه الفكرة وقوتها فى الثقافة؟ أو أن ما يتم  مقاومته الآن، من قبل الشعب، هو عنصر هام من عناصر بناء هذه الثقافة على وشك التحول؟
 
هناك مفارقة وجود الديكتاتور فى عصر غاب عنه الأب! لذا لا أرى مبارك ديكتاتورا بقدر ما تم زرع أيقونة الديكتاتور داخل الثقافة بتعجل، كما زرعت أيقونة الثورة، كلاهما غير معبرتين عن الحقيقة.
 
لم يكن مبارك رئيسا ديكتاتوريا بالمعنى التقليدى، ولكن تفرقت الديكتاتورية ومراكز السلطة فى أيد كثيرة. النظام بشكل عام كان ديكتاتوريا. أهم مقومات ديكاتوريته: الفساد والحكم البوليسى وعدم تكافؤ الفرص وغياب الكرامة. لذا نزعه لم يشف الغليل فى نفس كل فرد لأنه ليس الديكتاتور الذى يمنح الثورات زهوها بنزعه وخلعه، ما زالت هناك غضة بخصوص خلعه، لم تقطف الزهرة بعد.
 
الترويج لمصطلح "ثورة الشباب" ربما تم من أجل الاحتواء، فى المقابل تماما وعلى الجهة الأخرى كان يتم الترويج للفكرة الأبوية، ويتم النفخ فى استمرارها.
 
"ثورة الشباب" تعبير غير دقيق، لأن الشعب كله قام. الخوف من شوفينية قادمة، تقوم على التمييز بين الأجيال.
 
كل أفكار النقد القديم، قبل يناير 2011، كانت تقوم على الاستحالة أو عدم تحقق المكاسب، لذا كانت أفكارا يائسة وغير ثورية، ربما كان لها شكل ثورى ولكن باطنها يائس.
 
خلال المظاهرات كانت الجموع تشكل الوعى الذى يوجه الفرد. كنت أنصت لصوت الجموع، وربما تتغير الآن فكرة "القطيع" التى أخافت الكثيرين حفاظا على فرديتهم. مصطلح "الفردية" له الآن معنى آخر.. عاد إليه طرفه الغائب.
 
الثورة ليست ثورة ضد الأب، بسبب أن الأبوة وسلطتها قد ضعفت كثيرا بسبب قوة النظام المؤسسى المحيط الذى لم يسمح بنمو سلطات أصغر منه، بعكس الستينيات التى كانت فيها سطوة الأب موازية لسطوة النظام المؤسسى، وكان يستمد منها شرعيته. وربما كذلك أن إضعاف الشعب بمحاصرته وفقدانه الأمل فى التغيير، جعل السلطة تحكم شعبا فاقدا الأمل، شعبا يعيش حالة موات، وهذا ربما ما انعكس بدوره على "السلطة" وأضعفها، وجعلها بهذه الهشاشة عند مواجهتها.
 
السلطة فى مصر كانت منهكة ومنتهية وبائدة وما واجهته الثورة هو "رمز" الأب فى الثقافة أكثر من  ثقله فى الواقع. وهنا كان الصراع، الأب لم يكن له وجود مادى حقيقى. بل رمزى، على مستوى تمثله بداخلنا أو فى الثقافة.
 
هناك روابط تواطئية خلقها الفساد وانتشرت فى ثنايا المجتمع، لذا فكرة التطهير الواسع ستؤدى إلى انقسام ولا يوجد بديل عنها، إننا فى مأزق بالفعل.
 
الثورة أمومية بشكل ما: الموت والشهادة.
 
الآن المعارضة أصبحت هى النظام، ما مصير الفكرة النقدية الآن؟
 
تغير السرد إلى سرد تاريخى مجرد وليس تفاصيل. تم إلغاء التفاصيل لاستيعاب الجريان المنفتح للزمن الذى لا ينظر فى التفاصيل بل فى الأجسام الكبيرة للحياة.
 
 
إن ما حدث أكبر من أى فئة أو جيل، وصعب استيعابه أو مصادرته فرديا أو فئويا. إنها أشبه بالمعجزة. إنها شىء أضخم منا جميعا ولكننا جميعا صنعناه. الجمع ليس حاصل جمع أفراد، هناك قوة مضافة استنفرتها الجموع، وربما هى الشىء الجوهرى فى الثقافة، والذى لم يمت بعد أو لم يفت أوانه.
 
الثورة ابنة تجانس اجتماعى وجغرافى عاشته مصر دونا عن البلاد الأخرى، وربما هذا السبب من أهم العوامل التى ساعدت على نجاحها.
 
لقد اقتربنا بهذه "الثورة" من أن نلامس جسم السيستم العالمى، ليس الموضوع هو رؤساء، حكومات، بل سيستم يتحكم فى العالم. من قبل كانت هناك غشاوة السلطة، وهى مرحلة متأخرة من مراحل النظام؛ تحجب عنا هذه النظرة.
 
كما قال إسلام: كان هناك (X) مجهول موجود باستمرار سواء من خارجنا أو من داخلنا. سواء زرع النظام هذا (X) أو خرج من عمق مخاوفنا. من كان يجهز الشعارات؟ من كان يتحكم فى بناء المظاهرات؟ وكثير من الأسئلة. 
ولكن ما كان يريحنى أن هناك شعبا ينوب عن هذا (X).
الآن السلطة التى بداخلنا تحتاج إلى أن تخرج.
هذه الثورة أكبر منا جميعا ولن نرى نتائجها بهذه السرعة، لا بد أن ننتظر.
 
هناك فى "الثورة" شىء أو جوهر أو عنصر كان يتفاعل منذ زمن فى الشخصية المصرية، وربما أهم ظواهره هو هذه الشبكة من العلاقات التى ظهرت فى المسيرات، خرجت تحت تأثير تصاعد الغضب الذى أخرج هذا المكنون، أصبح مرئيا.
 
وربما تفاعل أو لقاء الذات الجوهرية للشعب مع الموضوع، الذى هو المناخ المفجر للثورة.
 
التعاطف والعاطفة كانا هما النسيج الذى جعل من المسيرات شبكة واحدة وهناك تيار من االشعور واللغة المشتركة تم صنعها تلقائيا فى اللحظة.
 
الثورة كانت تنمو يوما بعد يوم كجنين لا يعرف مستقبله.
 
الثورة خلقتها أيضا المصادفة.
 
الثورة كانت تحدث وسط الحياة اليومية كبث مباشر وهذا جديد للغاية علينا. 
الثورة تنضح باستمرار الحياة وليس قطعها، إنها ليست ثورة جذرية، لأنها ليست موجهة لخطاب سلطوى فقط، بل لأشخاص ولفساد، والذى يشكل هدفا ما بُعد اجتماعى، وربما هذا ما جعل الثورة حائرة ومتعثرة فى خطواتها. نوع جديد من الثورات وسط عالم معولم، أو وسط شبكة شديدة التعقيد، هنا يستلزم أن تنمو الثورة على مهل خطوة خطوة، وهو ما حدث، فليس هناك نار مقدسة للثورة بل نار هادئة.
 
نزع مبارك من مكانه كان المكافأة العاطفية للثورة. ما يأتى بعد ذلك استراتيجيات بدون عاطفة تحتاج إلى وعى صاف. بمعنى أن الشحنة العاطفية للثورة هدأت بنزع مبارك، أو قوة الدفع العاطفى، وما يتلو ذلك يحتاج لشحنة عاطفية أخرى أو وعى مستقل ليس مصدره العاطفة، حتى تؤمّن نفسها ومشروعها.
 
لا أعتقد أن للثورة صبغة مصرية ولكن صبغة أكبر من هذا. إنها تحدث بمواجهة سلطة رأسمال قوى وعالم افتراضى. هى سلطة أكثر تجذرًا من عاداتنا، بل جاءت لتلغى عاداتنا، فالإصرار على هذه العادات الفولكلورية كان موجها ليس لسلطة داخلية، بل لخارجية، لذا تحتاج الثورة لاستدعاء مخزون تراثى غير الكفاح، والذى خرج من الثورة مبكرا، أن نأخذ الثورة على فراش أو وسادة العادات والتقاليد، وربما هو الجزء القوى فى الشخصية المصرية، بغياب الأب فى الثورة، أو على الأقل، هذا المفهوم الميت، وجاءت الثورة لتشيعه بهذا القدر من الجماهير، نظرا لجلالته وقدسيته؛ أصبحت الحياة تنحو ناحية المخزون المتراكم للأنثى، أو الجانب النفسى للأنثى، أو الأمومة بشكل عام بكل مفاهيمها الفرويدية وغيرها.
 
الإسكندرية - يناير - مارس 2011

شاهد أيضا

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق