حكاية مكان| الأوبرا الخديوية.. شعلة أضاءت حتى احترقت

البديل 0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة

بتصميم معماري فخم وطراز جمالي رفيع، أنشئت أول دار أوبرا في إفريقيا والشرق الأوسط بالقاهرة، في الأول من نوفمبر عام 1869 بالعتبة؛ احتفالا بقناة السويس، وبدت الأوبرا القديمة «الخديوية» آية من الإبداع والرقي، أكدت شغف الخديوي إسماعيل بالفن ومواكبة كل جديد في هذا المضمار، فأطق على الدار الجديدة وقتها «الأوبرا الخديوية»، وكأن حرصه على تأسيسها امتداد لاهتمام الفراعنة بالرقص والموسيقى والمسرح، بما تركوه من نقوش على جدارن معابدهم ومطوياتهم بردياتهم تؤكد ذلك وتسرد أعمالهم الخالدة في هذا المجال.

كلف الخديوي إسماعيل المهندسين الإيطاليين أفوسكاني وروسي بتصميم دار للأوبرا في شكل تحفة فنية تبهر العالم بحيث تمتاز بالدقة في الإنشاء والفن في البناء، فنضح التصميم بمظاهر الروعة والأبهة، بعدما استعان بعدد من الرسامين والمثالين والمصورين لتزيين الأوبرا وتجميلها بالزخارف، ولم يقتصر الشكل الجمالي على دار الأوبرا فقط، بل أضفى على ميدان العتية عامة لمسة فنية فائقة الجمال، فأصبح منارة الفن والأدب والموسيقى.

صُنعت الأوبرا الخديوية من الخشب وكانت تسع 850 مقعدًا، وبدا مسرح الأوبرا الخديوية من أفضل المسارح العالمية؛ حيث كان الأكثر اتساعًا واستعدادًا وفي الإمكانيات والفخامة، وبدأ التحضير لاختيار أول العروض التي تقدم على المسرح المتميز، في البداية اختار الخديوي إسماعيل قصة من صفحات التاريخ المصري القديم تصلح نواة مسرحية شعرية، وكلف الشاعر الإيطالي جيالا نزوق بنظ شعر، وعهد إلى الموسيقار فيردي بوضع موسيقاها الرفيعة لإعداد عرض «عايدة» بموضوعها الوطني المصري وأغانيها الجياشة وموسيقاها الرائعة لتقديمها في الافتتاح، إلَّا أن الظروف حالت دون ذلك بسبب اندلاع الحرب البروسية – الفرنسية، ليتم افتتاح الأوبرا الخديوية في الأول من نوفمبر 1869 مع احتفالات قناة السويس، بعرض «دريجولوتو».

استمرت الأوبرا القديمة تنشر الإبداع في أبهى صوره؛ حيث وفد إليها العديد من الفرق المسرحية من إيطاليا وتركيا واليابان وفرقة سارة برنار، صاحبة التاريخ العريق بالمسارح الفرنسية، حيث قدمت موسمًا لمدة شهر في عام 1888، فضلًا عن الفرقة اليونانية «كاراياني»، التي أعادت مواسم الأوبرا إلى بعد فترة من التعثر، فقدمت سلسلة من الحفلات خلال شهري مارس وأبريل من عام 1889، وفرقة بوني وزوكينو للأوبريت، وفي عام 1890، قدمت الفرقة الإنجليزية «فانتوش توماس هولدن» عشر حفلات، لتعرض بعدها الفرقة العالمية «إليونورا دوز» مجموعة من روائع المسرح شملت «كليوباترة، أنطونيو، أوديت، فرناندا، غادة الكاميليا، فيدورا، زوجة كلاوديو»، وفي العام ذاته، قدمت فرقة «ديلير» موسمًا فرنسيًّا للأوبرا والأوبريت، شمل بعض الأعمال الإيطالية مثل «عايدة، تروفاتوري، ريجوليتو، حلاق أشبيلية»، إضافة إلى تقديم عرض «كارمن» لأول مرة.

مرت الأوبرا الخديويوي بمراحل متقطعة من الركود تارة والانتعاش تارة أخرى، إلى أن خصها طعلت حرب بحدث مهم يؤكد دور الفن في حياة الأمم والشعوب، حيث نظم في اليوم الأول من شهر مايو عام 1920 مؤتمرًا حاشدًا بدار الأوبرا أعلن فيه عن إنشاء بنك مصر، وقدم أشهر المطربين والفنانين وعلى رأسهم كوكب الشرق أم كلثوم، العديد من الحفلات بدار الأوبرا.

في فجر الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1971، استيقظ المصريون على حريق هائل بدار الأوبر القديمة، أتت على الدار كلها إلَّا تمثالي «الرخاء ونهضة الفنون» للفنان محمد حسن، وكان إصرار السادات على إنشاء جراج مكان الدار القديمة التي أثرت الحياة الفنية بمصر، بمثابة ردة على الحركة الثقافية المصرية، ودليل على احتكاره للثقافة والفنون، فمن الغريب أن نبني جراجًا مكان الأوبرا، في حين أن فرنسا هدمت سجن الباستيل لتبي مكانه دارا للأوبرا.

الرابط الدائم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق