الغزو الفني بين مصر وتركيا

البديل 0 تعليق 12 ارسل لصديق نسخة للطباعة

مثلما تسيطر الدراما التركية حاليًا على المشهد المصري، بما حققته من نجاح كبير خلال فترة قصيرة، سبق أن غزت مصر المجتمع التركي في بدايات القرن الماضي بأفلام عمالقة السينما المصرية في ذلك الوقت، مثل محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، فريد الأطرش، وغيرهم من نجوم ذلك الزمان، وحققت نجاحًا منقطع النظير آنذاك.

خلال تلك المرحلة كانت الدولة التركية الحديثة في بداية نشأتها تحاول تغريب كل شيء بسحب البساط العربي منها، سواء بإغلاق معهد الموسيقى الشرقية باسطنبول، أو امتناع الإذاعة التركية عن إذاعة الموسيقى الشرقية، إلَّا أن هناك طبقة من المجتمع التركي وقتها كانت لاتزال مرتبطة بالثقافة العربية بعض الشيء، مما أجبر شركات الإنتاج التركية وقتها مثل «إيبك» و«كمال فيلمر» على استيراد أفلام مصرية تلبية لرغبة المجتمع التركي، في ظل اندلاع الحرب العالمية الثانية وقلة المعروض من الأفلام الأوروبية والتركية، بل وصعوبة استيرادها من الخارج، مما صب في مصلحة السينما المصرية بشكل عام.

فقد حقق فيلم «دموع الحب» للفنان الراحل محمد عبدالوهاب ونجاة علي وإخراج محمد كريم، نجاحًا كبيرًا بعد عرضه بتركيا، حيث قال عنه الناقد التركي، نجاة أوزن: الجمهور حطم نوافذ قاعة العرض وتوقف المرور من ازدحام الجمهور المقبل على الفيلم، حيث تجاوز مشاهدي الفيلم خلال الشهور الأولى 27 ألف متفرج من الجمهور؛ نظرًا لشعبية عبد الوهاب الكبيرة هناك.

حاولت الدولة الناشئة التصدي للغزو المصري والحفاظ على اللغة التركية كهوية الدولة الحديثة، وخلع كل ما هو عربي عنها عبر إجبار الموزعين على دبلجة الأفلام المعروضة باللغة التركية، لكن القرار لم يؤت بثماره بالشكل المأمول، حيث دبلجت حوارات بعض الأفلام إلى اللغة التركية وتركت الأغاني العربية كما هي، أو وضعت لها كلمات تركية على الشاشات أثناء غنائها، حتى إنه حين عرض فيلم «وداد» لأم كلثوم استخدم الموزعون مقولة «الفيلم بالتركية والأغاني بالعربية» لجذب الجماهير إليه.

الصحافة التركية وقتها أطلقت على ما حدث «الغزو المصري» ودشنت حملات كبيرة للتصدي له، والحفاظ على علمانية الدولة، داعين إلى دعم صناعة السينما بشكل كبير للتصدي لهذا الغزو، فلجأت الدولة في بعض الأوقات إلى منع عرض الأفلام المصرية، لكنه سلاح لم يدم طويلًا، ودعت الصحافة إلى دعم صناعة السينما التركية مقارنة بنظيرتها المصرية، عن طريق تخفيض الضرائب على الإنتاج السينمائي المحلي، ورفع الضريبة على تذاكر الأفلام الأجنبية، لتستجيب الحكومة لذلك وتبدأ معها النهضة السينمائية التركية مع نهايات أربعينيات القرن الماضي.

وللقضاء على كل ما هو مصري، بدأت صناعة الدبلجة في الازدهار بشكل كبير، حيث بدأت بتعديل الأحداث والحوارات وكلمات الأغاني بما يتناسب مع تركيا ليبدأ المطربون الأتراك في ترديد الأغاني المصرية مدبلجة بالتركية، حتى وصل الأمر إلى أن أصبحت أسماء الممثلين المصريين توضع بخط صغير أو لا تكتب على دعاية الأفلام؛ لتتمكن تركيا بهذه الأساليب من التصدي بقوة لكل ما هو مصري وعربي، وطمس الهوية العربية للدولة الناشئة.

الرابط الدائم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق